الشيخ المحمودي

424

نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة

وإنّ له فيهم لعودة ثمّ عودة حتّى لا يبقي منهم أحدا . ثمّ قام [ عليه السّلام ] فقال : أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه الّذي ضرب لكم الأمثال « 1 » ووقّت لكم الآجال ، وجعل لكم أسماعا تعي ما عناها ، وأبصارا لتجلو عن عشاها ، وأفئدة تفهم ما دهاها في تركيب صورها وما أعمرها ، فإنّ اللّه لم يخلقكم عبثا ، ولم يضرب عنكم الذّكر صفحا ، بل أكرمكم بالنّعم السّوابغ ، وأرفدكم بأوفر الرّوافد ، وأحاط بكم الإحصاء ، وأرصد لكم الجزاء في السّرّاء والضّرّاء ، فاتّقوا اللّه عباد اللّه وجدّوا في الطّلب ، وبادروا بالعمل مقطّع النهمات ، وهادم اللّذّات ، فإنّ الدّنيا لا يدوم نعيمها ، ولا تؤمن فجائعها ، غرور حائل ، وشبح فائل ، وسناد مائل ، يمضي مستطرفا ويردى مستردفا ، بإتعاب شهواتها ، وختل تراضعها . اتّعظوا عباد اللّه بالعبر ، واعتبروا بالآيات والأثر ، وازدجروا بالنذر ، وانتفعوا بالمواعظ . فكأنّ قد علقتكم مخالب المنيّة ، وضمكم بيت التراب ، ودهمتكم مقطعات الأمور بنفخة الصّور ، وبعثرة القبور ، وسياقة المحشر ، وموقف الحساب ، بإحاطة قدرة الجبّار . كلّ نفس معها سائق يسوقها لمحشرها ، وشاهد يشهد عليها بعملها . ( وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) فارتجّت لذلك اليوم البلاد ، ونادى المناد ، وكان يوم التلاق ، وكشف عن ساق ، وكسفت الشّمس ، وحشرت الوحوش ، مكان مواطن الحشر ، وبدت الأسرار ، وهلكت الأشرار ، وارتجت الأفئدة . فنزلت بأهل النّار من اللّه سطوة مجيحة ، وعقوبة منيحة ، وبرّزت الجحيم لها كلب ولجب ، وقصيف رعد ، وتغيّظ ووعيد ، تأجّج جحيمها ، وغلا حميمها ، وتوقّد سمومها . فلا ينفّس خالدها ، ولا تنقطع حسراتها ، ولا يقصم كبولها ، معهم ملائكة يبشّرونهم

--> ( 1 ) - وقريبا من هذا الكلام الشريف مع زيادات جيّدة رواه الشريف الرضي رفع اللّه مقامه في المختار : ( 50 و 80 ) من نهج البلاغة .